السيد محمد حسين فضل الله
39
من وحي القرآن
وللأئمة عليهم السّلام . إن اللَّه يريد أن يؤكد في هذه الفقرة من الآية ، إحاطته بكل شؤون خلقه في علمه بكل ما يفيضون فيه ، وما يتحركون به ، في الوقت الذي لا يملكون الإحاطة بأيّ شيء من علمه من خلال قدراتهم الذاتية ، فهو الذي يعطيهم ما يريده لهم من العلم بشكل مباشر أو غير مباشر . وبذلك يشعر المخلوق بالتضاؤل أمام الكثير الكثير جدا مما يجهله ومما لا طريق لديه للعلم به ، فيتواضع للَّه الذي خلقه ويبتهل إليه في ما علمه اللَّه من ابتهالات العلم وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] . وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قال في الكشّاف : « الكرسي ما يجلس عليه ، ولا يفضل عن مقعد القاعد . وفي قوله : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ أربعة أوجه : أحدها أن كرسيّه لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته ، وما هو إلا تصوير لعظمته وتخييل فقط لا كرسي ثمّة ولا قعود ولا قاعد ، كقوله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [ الزمر : 67 ] ، من غير تصوّر قبضة وطيّ يمين ، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسي . ألا ترى إلى قوله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ . [ الأنعام : 91 ] والثاني : وسع علمه وسمّي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم . والثالث وسع ملكه ؛ تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك . والرابع : ما روي أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السماوات والأرض ، وهو إلى العرش كأصغر شيء » « 1 » . وربما كان الأنسب بجوّ الآية المعنى الثالث ، الذي يعطي معنى السلطنة المطلقة التي تتمثل في التدبير والإشراف ، وبذلك تتخذ كلمة
--> ( 1 ) الزمخشري ، أبو القاسم محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 1 ، ص : 385 - 386 .